التخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحث عن الزمن المفقود (2)-مارسيل بروست


الكتاب الثاني: "في ظلال ربيع الفتيات"





الصّبا،ولادة الحب العذري.غمرة الأحزان وعذوبة ألم المُحب وصمته.الانتظار الهذيان فالنسيان..فالبعث للحياة مرة أخرى.

يسرد الراوي حياة بطلها الزمن.وهوية السارد يظل السؤال المرافق للقارئ حتى النهاية.



القسم الثاني بالكتاب يجسد عنوانه.في ربيع الفتيات وتحت ظل الرغبة لخوض عالم الأنثى،رغبة طفولية عارمة تتعثر ما بين ذاكرة الحاضروالماضي القريب،الماضي ظاهرًا بحالة الراوي مع الحب وتجربة الانفصال.


العاطفة بالقسم الأول تكاد تشابه ما حدث مع سوان!باستثناء فارق العمر بينهما.فالراوي يعاني مع جيلبيرت،كما حدث مع الأول وأوديت.وهي حالة لا تقل عن الأولى جمال وبلاغة سواء بالتشبيهات أو بتدفق السرد لذاكرة المؤلف،مفرداته وجمله الطويلة.


‏Swann in Love,1984





السرد في محيط عائلة "سوانوفي بذخ زوجته وعلاقاتها.تأملات دقيقة للغاية،نتيجة الزمن الذي يقضيه الراوي بمعظم أمسياته بمنزلهم..تفاصيل وصلت لفساتين السيدة "سوانقلائدها وحتى شمسيتها.أسلوبها في التحدث والهالة التي تحيط بمن يتنزه بجانبها.


ببدء الكتاب،وبلقاء الدبلوماسي "دو نوربواتتضح الخطوط الأولية لرغبة الراوي بمهنة الأدب التي تعارض رغبة والده بالعمل الدبلوماسي.ومن خلال حواراته مع الماركيز عن الأدب والكتابة يصف بروست الانفعال الناتج من الحماسة للكتابة والخوف المصاحب لها.الشعور الداخلي للمتحدث وملاحظته للمتلقي.



وهذه حقيقة ارتبطت بحياة بروست الشاب.

والد بروستأخيل أدريان بروست




ابن برجوازي صغير،طبيب وعالم أوبئة،عمل عدة سنوات بأفريقيا أثناء انتشار الكوليرا.حاز وسام الشرف بفرنسا نظيرًا لجهوده العامة فيالطب.



الموسيقى والفنون:

يغلب على القسم الثاني سرد مكمل للكتاب الأول،يتكرر فيه علاقة بروست بالفنون خاصة بالموسيقى كسوناتا "فانتوي"واللوحات وأشهرالرسامين النحاتين والأدباء.مثل بلزاك،راسين،ستندال.ويظهر تأثره بدوستويفسكي تحديدًا في فلسفة عن الجمال الغير مملوك في تناقض مابين اللذة والألم.



يعود ولع بروست بالموسيقى للصلة الروحية للفن التي انبعثت من أمه "جين ويلابنة سمسار يهودي ثري .قيل عنه نصف يهودي ربما السببلشدة تعلقه بأمه.وقد تحدث بلسان البعض من شخصياته لبغض علني لليهود.بالإضافة لقضية دريفوس التي اتخذ منها موقفاً من ضمن عدةأدباء كبار وهذه أيضاً ذكرت بالرواية.




سوناتا "فانتويما الذي تعنيه هذه الموسيقى لبروست ومن أين أتته؟!

في 1 يوليو 1907 أقام بروست حفل عشاء ونظم فيه برنامجاً موسيقياً من اختياره وتفضيلاته (عزف للكمان والبيانو فقط)،كما في السوناتاالمذكورة سابقاً.باعتقادي أن الأمر متعلق بشريكه الملحن المعروف "رينالدو هان".



الشخصيات وواقعيتها بحياة بروست:

‏"دو سان لوشخصية لشاب وسيم جدًا،وصفه بروست بطريقة مريبة من أول جملة له توقعت أن الصلة بينهما ستتجاوز الصداقة.ولكنه كانعاشق لصديقة مجهولة بالإضافة لكونه خطيب لأخرى.



‏"لوسيان دادويت" 1878-1946

صديق لبروست مثلي الجنس ،لم يخفي توجهاته المثلية.وقد كانت والدة مارسيل تخاف من غموض علاقتهما ونكاتهم بشأن ذلك.لوسيان شبيهبسان لو صديق الراوي،وكما أنه نجل الكاتب "ألفونس دادويتوذات الشيء ذكر بالرواية مع "روبير سان لو".




قيل أن لوسيان على علاقة مع "جان كوكتو".


‏| بروست (جالساًوروبرت أخوه(يسارلوسيان (يمين) 1894.





‏"الخادمة فرانسوازمن الكتاب الأول تظهر خادمة للعمة ليوني،قبل أن تنتقل لخدمة عائلة السارد بعد وفاة العمة..ويعتقد أنها شخصية مأخوذة عن "سيلستي ألبير" 1891-1984.

خادمة لعائلة بروست،ظلت مخلصة لسيدها الصغير لعدة سنوات.






‏"أوديت سوانو صالون "جينيفيف هاليفي"

أرملة "جورج بيزيه"من هنا خرجت شخصيات العروض والمسرحيات مثل الممثلة "لويزا دي مورناند" 1884-1963 ذكرت بالرواية باسم"لابيرما" ويعتقد بالأصح أنها الممثلة "سارا بيرنهاردت". كما تعرف على المجاملة "لورا هايمن" 1851-1932.أعتقد  منها استلهم شخصية "السيدة فيردوران" .





‏"رينالدو هان" 1874-1947

مؤلف وناقد موسيقي من أصل فنزويلي،1945 أصبح مدير أوبرا باريس.التقى بروست 1894 بصالون الفنانة مادلين،وظلا على علاقةببعضهما حتى وفاة بروست،ودفن كلاهما بمقبرة "بير لاشيزبباريس.

حتى الآن لم يظهر قرين "هانبالرواية .





ولكنه لفتني بأحد أعماله،مقطوعة للبيانو والكمان فقط..ذكرتني بموسيقى "فانتويالمذكورة بالكتاب الأول والثاني

الحركة الثالثة للمقطوعة:

https://youtu.be/ecccYS8CshA



صورة تجمع بروست ورينالدو حوالي 1895.





العناية بالمظهر وحب التأنق:

السبب يعود للبيئة التي عاشها المؤلف،يسود السرد بالعمل حياة الطبقات الوسطى بالمجتمع البرجوازي وعلاقاته ببعض الأرستقراطيين.

حقيقة بروست اليافع ،وحتى وفاته كان شديد الاهتمام بمظهره.












شدة الحساسية للرائحة والطعم والضوء:

بالكتاب الأول ذكر مشهد لكعكة المادلين مع كوب الشاي.بلاغة بروست الأدبية خلدها التاريخ بهذه الميزة "تيار الوعيو أرشفة الذاكرة.وبهذا المشهد تحديدًا الذي أعتبره أعظم وأرق ما كتب بالعمل،نص يسجل بصمة للمؤلف بالأدب.بهذه الميزة عرف القارئ بروست وسيظل يذكره بها.وهي حاسة حقيقية بطباع المؤلف .يذكر أن بروست بعد عودته من الانتكاسة نتيجة وفاة والدته 1906 -1908طلب تغطية جدران غرفة نومه بلحاء البلوط.



بالرواية تكررت ملاحظاته البديعة للروائح والأصوات .بالربع الأخير أسرف بالسرد المبالغ للأحاسيس كأنه خارج الوعي.ربما أنه كان يكتبتحت تأثير الأرق.


مشهد استحضار الذاكرة لكعكة المادلين والشاي.ظهر بصورة بديعة في مسلسل:

‏À la recherche du temps perdu,2011





عالم الأنثى والارتباط :

السارد يطمح لعلاقات متعددة وبذات الزمنيشارك الفتيات الصداقة وينظر للمرأة بعين الماجن وبرغبة اصطياد اللحظة للمتعة لاأكثر.”ألبيرتينالمتقلبة والعصيّة تستطيع استحضار “جيلبيرت” من جهة،واكتشاف طباع جديدة بداخل السارد من جهة أخرى.ولكن الزمنوالعبثية تمضي به.






ختام مراجعة "في ظلال ربيع الفتياتمع أسماء المدن تكملة لأحلام الراوي بالكتاب الأول،بالقسم الثاني مدينة بالبيك (متخيلةالتي انتقلإليها لرحلة علاجية .ومن هناك ظهرت لوحات طبيعة ارتسمت بخياله بأخرى بالفن.خيال عجيب جدًا.يستشعره القارئ بكل تفاصيله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبريل الميلاد: ولادة جديدة

منذ عام ٢٠٢٠ بكل شهر أبريل اعتدت تدوين ذاكرة سريعة أعود بها للوراء. ذاكرة أقتفي بها أثر تجارب جعلتني أفهم ذاتي وتصوري لما حولي، تجارب عشتها وتجاوزتها منذ الثاني من أبريل السابق وحتى الثاني من أبريل الحالي.  العام الماضي كان عامًا حافلاً اجتماعيًا ومهنيًا، واجهت فيه ما لم أتوقع أنني قادرة على مواجهته، وإن كانت النهايات مغايرة عما بذلته يكفي أنني تعلمت أن أصبح أكثر هدوءًا وأن أرفق بنفسي قبل كل شيء.   عمومًا هذه المرة لا أريد أن أتذكر إلا أمرًا واحدًا فقط، الأمر الأكثر أهميةً وثباتًا في ذاكرتي. حدث في سبتمبر الماضي وها هو اقترب تمامه، أمرٌ كنت أنتظره منذ عامين، انتظرته بين رجاء وخوف. هو موعد لقاء مع حلم يكبر بداخلي، لقائي مع طفلي الأول .أرجو أن تمضي أيامه المتبقية بكل خير وطمأنينة.  ما بين الخوف والفرح:  "الإنجاب" لطالما كنت أخاف هذا الأمر وقد كان سببًا في تجنبي الارتباط لسنوات. أن أصبح أُمّا لأحدهم وأن أجلبه لهذه الحياة ليس بالأمر السهل أبدًا، بكل مرة أفكر بذلك أتذكر مقولة "فرانز كافكا" لا يحضرني النص ولكنه عنى أن التربية أصعب مهمة تواجه الإنسان وقلما ...

رفاهية القلق

قد تصبح الحياة عادية ولا شيء فيها يجعلنا نستيقظ بالغد، ما الذي يعزز هذا الشعور بالواقع؟ مرت ثلاثة أشهر على هذا الحال،أقول لنفسي كل يوم هل هذا الشعور عادي، أهو ملل أم اكتفاء أم هو اليأس! في كل مرة أريد إنجاز مهمة بسيطة من جدول العمل أجدني أنهض من على الكرسي وأذهب لأبحث عن أي شيء يجعلني لا أعود للمكتب، على الرغم من إدراكي أنني سبق وعشت مثل هذه المشاعر من قبل و لا سيما في بدايات الخطط طويلة المدى ،إلا أن الأمر هذه المرة مختلف. فقد كان يلازمني شعور ثقيل جدًا ، جلد للذات وخوف من فوات الفرص وتعب التأجيل، كنت أؤنب نفسي كثيرًا ،كان شعورًا مرهقًا بالفعل ولكنه كان يجبرني على البدء بالعمل وإنجاز المهام. هذه المرة لا أجد هذا الشعور بداخلي، أحاول أن أجد شيء ما يجعلني أعود لتلك الحساسية المفرطة اتجاه الزمن وسيلانه،والخوف من الاعتياد على حياة العبث،أحاول ولم أجده. ألاحظ مؤخرًا أنني صرت أشبه الكثير من النساء من حولي، كلما كنت بينهن أتذكر السنوات التي قضيتها من عمري وأنا أمقت حياتهن وهذا النمط الممل والكئيب من العيش،كنت أشعر أنها حياة خالية من حب الذات، حياة مليئة بالحسرة والندم على فوات الفرص.ولكن...

ابريل الميلاد: ما بين الحياة والموت.

اعتدت كتابة هذه التدوينة بيوم الميلاد، أعود فيها بالذاكرة إلى الوراء لأسجل ما عشته طوال العام.هناك الكثير مما أود كتابته وتوثيقه ولكن قد مضى وقته وفات، ورحلت معه تلك الحاجة الملحة لكتابته والتخلص منه. وعلى الرغم من شعوري بأنه مازال مسكونا بي ،وقد يجعلني أسيرته عندما أضجر أو أضيق من الحياة كلها ومن نفسي، إلا أنني مازلت بين وقت و آخر أقاوم تلك الحاجة. أعتقد أن التفسير الأقرب لهذا السلوك، حينما نتجاهل ما نود فعله ،هو الخضوع والانقياد لليأس والعبث. أحمد الله أني ما زلت أحافظ على هذه العادة ،والتي أواجه فيها الحالة البارتلبية كما سماها الروائي بيلا ماتاس في كتاب "بارتلبي وأصحابه". وهذا ما حدث مع تدوينة نهاية عام 2025 ، والذي عشت في أيامه الأخيرة فاجعة فقد مؤلمة، أصابني إثرها صمت لازمني ثلاثة أشهر. كان سببه وفاة أمي فاطمة رحمها الله، وهي أم زوجي، كانت بالنسبة لي بمنزلة أمي التي ولدتني رعاها الله. برحيلها افتقدت الانتماء الاجتماعي الذي علمتني عيشه_ لأني منذ زمن بعيد كنت أفضّل المكوث بمنزل أبويّ، ونادرًا ما أخرج إلا لعمل أو مناسبة مهمة_ منذ صرت فردًا من عائلتها، كانت تعاملن...