التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الثاني من ابريل: يوم الميلاد


       

 قبل دخول ابريل تنتابني تلك الحالة العاطفية بغرابة .أشتاق نفسي كثيراً. يراودني حنين لا أعرف ما يريد.تبدأ الذاكرة بالتقصي وتتبع الأثر.لمن رحل ومن بقي.من تمسك بي و من اختار المرور.و ما صرت أنا إليه.

والأهم ما حدث ما بين ابريل الماضي والذي سيبدأ
فقدت واكتسبت وما أكثر الآلام عزيزي ريلكه،ولكني تعلمت الصبر منها تعلمت.الآن حتى تذكرها لا يستطيع الظفر بغصة ولا أسى.
كنت أشعر بطيفك وبعيناك الزرقاوتين تلاحظني،عيناك المغرورقة بالدمع والمودة .واستمديت القوة من تلك العناية واخترت الوحدة العظيمة.

النافذة على يميني الآن.الجو غائم يبدو أنها ستمطر.أتطلع لقمة شجرة الأثل،تلك الشاهدة على حياتي .من أول مرة رأيت فيها جدي وهو يعتني بسقايتها والوحيدة الباقية من أشجار المزرعة .التي ذبلت مع ذاكرة جدي.وماتت معه.مازلت أذكر الفترة الصعبة التي شاركتها فيه كل أوجاعي.كل مساء قبل المغيب أتكئ على جدارنا القديم المتآكل.أمسك حجارة بيدي وأبدأ الجلد وما أن أنتهي حتى ألحظ جبل آثامي بين قدمي.أسقطه وأرحل .والشاهد الوحيد شجرة.

ما الذي حدث ما بين ابريل الماضي والحالي؟
بعيد ميلادي الماضي شاركت صديقي الوحيد محبتي واخلاصي ورغبتي بمعرفة آلامه..ليلتها كان آخر الحاضرين وهنأني بميلادي مثل القادم من رحلة طويلة خائف من تأخره عن الحضور.(الآن ذرفت الدمع أعتذر عزيزي ريلكه) رغم معرفتي طوال اليوم بأنه تعمد التأخر على محادثتي، تجاهلت العتب وتركته يشرح لي كيف تمضي الحياة معه.وأنا بدوري شرحت له ما يعني لي وكيف أنني أقوى بوجوده وإن كان بعيد.ولكني ليلتها شعرت بأمر مريب خالجني من ناحيته وعلى غير العادة لم أشاركه ذلك.اتفقنا على تخفيف انقطاعنا ومضت الأيام ،ثمانية أيام عشتها بضجة العمل والعائلة ولكن بداخلي يزورني ذات الشعور وعلمت أن بهِ شيء وجاريت الصمت..ولكن صديقي لم يعد مثلما كان.

وقتها كنت على غير وفاق مع صديقتي "منى" والصمت من ناحيتها آلامني أشد الألم حاولت أن أستفزها ولكن لا فائدة أنا نفسي متعبة ولا قدرة لي على المواجهة.وبآخر اتصال بيننا أخبرتها برغبتي بالانقطاع عن الجميع والعزلة لأكثر من شهرين حتى أستعيد نفسي وأطمئن.الرد كان صمت وغصة. نعم لأول مرة صديقتي الجبارة تغص !ارتجفت ولم أستطع سؤالها.أنهينا المكالمة كأننا نريد الخلاص ولكن صمتها جعلني أتحرك وقررت النقاش.طوال يومين أتصل ولا مجيب حتى فترتْ نفسي عن الحديث. بنهاية ابريل ما عدت أنا.شعرت كأنني أطفو كقطعة خشب بمنتصف النهر.ضقت من جسدي ومن محيطي،من الضجة من العلاقات والتبرير من المسؤولية والواجبات .وانتظرت متى تبدأ إجازة الصيف حتى أختفي.

29 ابريل -17 يوليو 2019
عشتها مع الوحدة.أقرأ أكتب أمارس الرياضة واليوغا أعود لهوايات قديمة هجرتها.بالإضافة لاكتشافي لهواية جديدة (صناعة العطور) ولكني لم أمارسها بعد.شاهدت مسلسلات متنوعة و قتلت تأجيل أفلامي المؤجلة أهمها سلسلة العراب. Into the wild،Intouchables .برمضان أشارك عائلتي بعض من وقتي وأقسم الآخر بين العبادة والقراءة والمشي.أول عيد بدون خالي العزيز رحمه الله.جميعنا برفقة والدي حاولنا إخراج أمي من حزنها ولم ننجح ولكننا استغلينا التماهي وأكملنا المضي.وقبل أن ينتهي شوال توفي آخر جد لي من أجدادي الثلاثة لأبي.ومعه دفنت الكثير من ذكرياتي. وأصبح أبي كبير أحد أسماء القبيلة بالإضافة للعوائل الثلاث،صار الكل يعود اليه.

انتهت العزلة بعد أن تخللها ثلاث اتصالات مع منى وآخر مع هدى وعدة رسائل تهنئة لبعض المقربون و ميلاد العزيزة إيمان آزر.
أي لم تكن عزلة كالتي أردت ،قال أوكتافيو باث:
" نحن محكومون بالعيش في عزلة، لكننا محكومون أيضا بتجاوز عزلتنا واستعادة الصلات"

ومثلما كان الزمن و ما زال سيد الموقف الحياة الموت والوجود.مضى بقية العام حاولت فيه استرجاع صديقي ولم أجد غير المقاومة والخوف من ناحيته وتأكدت من شكوكي أثناء العزلة.تأسفت عليه ورحلت.بالأيام الماضية كنت أقرأ الكتاب الثاني من "البحث عن الزمن المفقود" وفهمته.ربما أنني كنت مثل "جيلبيرت" ولم أنتبه لما كان يعانيه ولا يجده لديّ.


عاد المرض لفاطمة ابنة خالتي أكثر أقربائي مشاكسة عاطفة ورقة وأقربهم لنفسي .داهمها مرض عضال قبل عامين وذبلت وما إن استعادت الحياة وأخذتنا الغفلة بها، مثلما هي عادة الزمن يضربنا سخرية بالنسيان.أخذ المرض يسلبها من بيننا ببطء. وتم ترحيلها للعلاج وقبل نهاية العام جاءت البشارة واسترديت الروح بعافيتها ونامت الكوابيس أخيراً.

تجاوزت أمر عظيم لم أذكره!والحمدلله أنني استطعت تجاوزه بالفعل.
حقيقة لا رغبة لي بكتابة شيء عنه،فقط أختصره بجملة:
الكبرياء مرض،تعلموا الشفاء منه.
عنيت الكبرياء المبالغ بأمره،الذي يجعلك تكابر على ألمك ،خوفك وخطأك لابد من التنازل لابد من لحظات الاعتراف بالضعف .
إليكم عبارة من فيلم The two popes:
"جميعنا نعاني من الكبرياء الروحي..جميعنا..يجب أن تتذكر أنك لست الله،أنت مجرد بشر.تذكر"


الثلاثة الأشهر الأولى من 2020 عشتها كبقية البشر مع اضطرابات العالم التي مازلنا بوسطها.عدا حادثتين بيناير، الأولى فشلت بتجاوز امتحان بالدراسة والثانية تنازلت عن ترك العمل كلياً والتفرغ للكتابة.تجاوزت فبراير زحفاً،في محاولة الاعتياد للرجوع للعمل وتمسك "منى" بي لوجودها بداخل المكان ذاته.تصادمت مع مبادئي وعائلتي وخرجت بقلة الفائدة وتوبيخ "منى" لعجزي عن المجازفة وغرقي بالتردد.تقريبا خطوت لمجازفة واحدة وأنتظر النتيجة..مارس: توقف الزمن كأننا بداخل حلم ! بداية كنت أستشعر المتعة بكسر الرتابة .ومن ثم افتقدت عدة أمور اعتيادية لم أكن أظنها بتلك الأهمية وأخرى أكثر أهمية لفرد من عائلتي.مع الصمت والمراقبة أدركت الموقف واستجبت للنزعة العامة (القلق) غالباً يمضي يومي بطمأنينة المحيط. ذلك لأنني أسكن بأقاصي الريف، وكل من تحيطه شفقتي بخير..بالإضافة لكوني (بيتوتية) و الأمر الأهم توقيت الحظر،قبل أربعة أعوام وبسبب العمل افتقدت عادة الصيام  مع أمي للأشهر الفاضلة "رجب" و"شعبان" وبدل أن كانت متقطعة أصبحت ولله الحمد كاملة.وهذه مواساة عظيمة أقضي بها أول يومي مابين الطبخ والعبادة وآخره مع والديّ والاستعداد للقراءة والسهر.
منذ يومين شرعت بكتابة نص عن ما يحدث بنا مع المكوث بالمنازل طوال الوقت،عن شبح نحاربه بالابتعاد عن بعضنا.يا لسخرية الوجود.! أمرعجيب ويبعث للتمسك بالعيش لنرى ما القادم.عن نفسي أنتظر من الزمن إجابة واحدة لا غير.. ثم ماذا؟
أنتظر بكل وقار ووداعة .
وإن عشت .سأروي ابريل المقبل كيف قتلنا الشبح وانتصر الإنسان.تسألون كيف يسكنني الهدوء؟
أجيبكم بما قال ريلكه:
"أتعلم كل يوم،وأتعلم وسط آلام أنا ممتن لها،أن: الصبر هو مدار الأمر"

لقد بدأت تمطر...



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبريل الميلاد: ولادة جديدة

منذ عام ٢٠٢٠ بكل شهر أبريل اعتدت تدوين ذاكرة سريعة أعود بها للوراء. ذاكرة أقتفي بها أثر تجارب جعلتني أفهم ذاتي وتصوري لما حولي، تجارب عشتها وتجاوزتها منذ الثاني من أبريل السابق وحتى الثاني من أبريل الحالي.  العام الماضي كان عامًا حافلاً اجتماعيًا ومهنيًا، واجهت فيه ما لم أتوقع أنني قادرة على مواجهته، وإن كانت النهايات مغايرة عما بذلته يكفي أنني تعلمت أن أصبح أكثر هدوءًا وأن أرفق بنفسي قبل كل شيء.   عمومًا هذه المرة لا أريد أن أتذكر إلا أمرًا واحدًا فقط، الأمر الأكثر أهميةً وثباتًا في ذاكرتي. حدث في سبتمبر الماضي وها هو اقترب تمامه، أمرٌ كنت أنتظره منذ عامين، انتظرته بين رجاء وخوف. هو موعد لقاء مع حلم يكبر بداخلي، لقائي مع طفلي الأول .أرجو أن تمضي أيامه المتبقية بكل خير وطمأنينة.  ما بين الخوف والفرح:  "الإنجاب" لطالما كنت أخاف هذا الأمر وقد كان سببًا في تجنبي الارتباط لسنوات. أن أصبح أُمّا لأحدهم وأن أجلبه لهذه الحياة ليس بالأمر السهل أبدًا، بكل مرة أفكر بذلك أتذكر مقولة "فرانز كافكا" لا يحضرني النص ولكنه عنى أن التربية أصعب مهمة تواجه الإنسان وقلما ...

رفاهية القلق

قد تصبح الحياة عادية ولا شيء فيها يجعلنا نستيقظ بالغد، ما الذي يعزز هذا الشعور بالواقع؟ مرت ثلاثة أشهر على هذا الحال،أقول لنفسي كل يوم هل هذا الشعور عادي، أهو ملل أم اكتفاء أم هو اليأس! في كل مرة أريد إنجاز مهمة بسيطة من جدول العمل أجدني أنهض من على الكرسي وأذهب لأبحث عن أي شيء يجعلني لا أعود للمكتب، على الرغم من إدراكي أنني سبق وعشت مثل هذه المشاعر من قبل و لا سيما في بدايات الخطط طويلة المدى ،إلا أن الأمر هذه المرة مختلف. فقد كان يلازمني شعور ثقيل جدًا ، جلد للذات وخوف من فوات الفرص وتعب التأجيل، كنت أؤنب نفسي كثيرًا ،كان شعورًا مرهقًا بالفعل ولكنه كان يجبرني على البدء بالعمل وإنجاز المهام. هذه المرة لا أجد هذا الشعور بداخلي، أحاول أن أجد شيء ما يجعلني أعود لتلك الحساسية المفرطة اتجاه الزمن وسيلانه،والخوف من الاعتياد على حياة العبث،أحاول ولم أجده. ألاحظ مؤخرًا أنني صرت أشبه الكثير من النساء من حولي، كلما كنت بينهن أتذكر السنوات التي قضيتها من عمري وأنا أمقت حياتهن وهذا النمط الممل والكئيب من العيش،كنت أشعر أنها حياة خالية من حب الذات، حياة مليئة بالحسرة والندم على فوات الفرص.ولكن...

ابريل الميلاد: ما بين الحياة والموت.

اعتدت كتابة هذه التدوينة بيوم الميلاد، أعود فيها بالذاكرة إلى الوراء لأسجل ما عشته طوال العام.هناك الكثير مما أود كتابته وتوثيقه ولكن قد مضى وقته وفات، ورحلت معه تلك الحاجة الملحة لكتابته والتخلص منه. وعلى الرغم من شعوري بأنه مازال مسكونا بي ،وقد يجعلني أسيرته عندما أضجر أو أضيق من الحياة كلها ومن نفسي، إلا أنني مازلت بين وقت و آخر أقاوم تلك الحاجة. أعتقد أن التفسير الأقرب لهذا السلوك، حينما نتجاهل ما نود فعله ،هو الخضوع والانقياد لليأس والعبث. أحمد الله أني ما زلت أحافظ على هذه العادة ،والتي أواجه فيها الحالة البارتلبية كما سماها الروائي بيلا ماتاس في كتاب "بارتلبي وأصحابه". وهذا ما حدث مع تدوينة نهاية عام 2025 ، والذي عشت في أيامه الأخيرة فاجعة فقد مؤلمة، أصابني إثرها صمت لازمني ثلاثة أشهر. كان سببه وفاة أمي فاطمة رحمها الله، وهي أم زوجي، كانت بالنسبة لي بمنزلة أمي التي ولدتني رعاها الله. برحيلها افتقدت الانتماء الاجتماعي الذي علمتني عيشه_ لأني منذ زمن بعيد كنت أفضّل المكوث بمنزل أبويّ، ونادرًا ما أخرج إلا لعمل أو مناسبة مهمة_ منذ صرت فردًا من عائلتها، كانت تعاملن...