التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ابريل الميلاد: ما بين الحياة والموت.

اعتدت كتابة هذه التدوينة بيوم الميلاد، أعود فيها بالذاكرة إلى الوراء لأسجل ما عشته طوال العام.هناك الكثير مما أود كتابته وتوثيقه ولكن قد مضى وقته وفات، ورحلت معه تلك الحاجة الملحة لكتابته والتخلص منه. وعلى الرغم من شعوري بأنه مازال مسكونا بي ،وقد يجعلني أسيرته عندما أضجر أو أضيق من الحياة كلها ومن نفسي، إلا أنني مازلت بين وقت و آخر أقاوم تلك الحاجة. أعتقد أن التفسير الأقرب لهذا السلوك، حينما نتجاهل ما نود فعله ،هو الخضوع والانقياد لليأس والعبث. أحمد الله أني ما زلت أحافظ على هذه العادة ،والتي أواجه فيها الحالة البارتلبية كما سماها الروائي بيلا ماتاس في كتاب "بارتلبي وأصحابه". وهذا ما حدث مع تدوينة نهاية عام 2025 ، والذي عشت في أيامه الأخيرة فاجعة فقد مؤلمة، أصابني إثرها صمت لازمني ثلاثة أشهر. كان سببه وفاة أمي فاطمة رحمها الله، وهي أم زوجي، كانت بالنسبة لي بمنزلة أمي التي ولدتني رعاها الله. برحيلها افتقدت الانتماء الاجتماعي الذي علمتني عيشه_ لأني منذ زمن بعيد كنت أفضّل المكوث بمنزل أبويّ، ونادرًا ما أخرج إلا لعمل أو مناسبة مهمة_ منذ صرت فردًا من عائلتها، كانت تعاملني معاملة الابنة والصديقة ،كما أنها تمتلك حساسية عالية تجاه الجميع، كانت تقرأني من سكوتي وتخمن شعوري وتعرفه أيّ كان. بعد رحيلها استغرقت زمنًا في استيعاب الفراغ الذي خلّفه موتها، وزمنًا آخر في العيش مع الموت وسطوته.تمنيت لو أنني عشت معها أعواماً عديدة، لو أن الموت تأخر لترى حفيدها يحبو ويخطو خطوته اﻷولى، لو أنه تركها تكبر وتشيخ مع زوجها وأبنائها ،لو أنه تركني أخبرها كم أحبها وكم يأسرني حضورها وخفة روحها ، وخصالها الحميدة التي أضيع في عدّها. تمنيت وما أكثر ما تمنيته، والحمدلله على ما قضى وقدر.
قبل أن أعيش هذه الحادثة ، وقبل مرضها رحمها الله، عشت حالة من الامتنان اللامحدود في أمرين: في أمومتي ورؤية ابني يكبر ، وفي سعادة عارمة عشتها أثناء تحقيق حلم سعيت سنوات إليه، حينما صرت طالبة مبتعثة لدراسة تخصص اللغويات واللسانيات في جامعة يورك ببريطانيا. رحلة بدأت في أوائل شهر نوفمبر الماضي، لم تكن تجربة سهلة، كانت شاقة علينا، فالغربة موحشة والدراسة تتطلب تفرغًا تامًا. إضافة لخوفي على طفلي وزوجي أثناء تواجدي في غرف الدراسة، عشت رفقة زوجي اشتياقنا الشديد لأهلنا، ولكني عزمت على موازنة الأمور ووكلت أمري إلى الله، وأرجو من الله تعالى العودة لمقاعد الدراسة ونحن وأهلنا في أفضل حال، أن أعود للتجوال في مكتبة الجامعة الغنية بما أحتاجه في مجاليّ الدراسة والثقافة قبل نهاية هذا العام.
لا أريد أن أكتب أكثر، لأن أثناء الكتابة عدت بالذاكرة وعادت معها مشاعر وصور موجعة، مشاعر تتأرجح ما بين معنى الحياة أمام حتمية الموت. في النهاية أريد أن أتذكر أني عشت هذا العام يوم ميلاد بسيط وهادئ، قضيته مع عائلتي الصغيرة، طبخت العشاء ونظفت منزلي وسأخلد للنوم بجانب طفلي، وإن لم أستطع النوم سأكمل قراءة سيرة الكاتبة الروسية الألمانية لو سالومي. قراءة سيرتها أعادت إليّ حياة السهر الأثيرة، حياة افتقدتها منذ مدة طويلة. أعني السهر لوحدي رفقة كتاب ،فقد عشت عامًا مرهقاً رفقة السهر، عام لا أنام فيه سوى ساعتين فقط، ﻷني أمٌ حديثة الولادة بابنها البكر. ابني الذي أصبحت حياتي ملك له، بدليل أني طوال اليوم لم أستطع نشر هذه التدوينة. اما عن شرح ما أعيشه في حياة الأمومة يحتاج كتابةً مطولة، كتابة عن حياة تحتفظ بقدسيتها رغم القلق والمعاناة، سبق ونشرت جزء منها مع ثمانية في نشرة إلخ، في عدد خاص بعنوان "كتب تساعدك على فهم معاناة الأمومة".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أبريل الميلاد: ولادة جديدة

منذ عام ٢٠٢٠ بكل شهر أبريل اعتدت تدوين ذاكرة سريعة أعود بها للوراء. ذاكرة أقتفي بها أثر تجارب جعلتني أفهم ذاتي وتصوري لما حولي، تجارب عشتها وتجاوزتها منذ الثاني من أبريل السابق وحتى الثاني من أبريل الحالي.  العام الماضي كان عامًا حافلاً اجتماعيًا ومهنيًا، واجهت فيه ما لم أتوقع أنني قادرة على مواجهته، وإن كانت النهايات مغايرة عما بذلته يكفي أنني تعلمت أن أصبح أكثر هدوءًا وأن أرفق بنفسي قبل كل شيء.   عمومًا هذه المرة لا أريد أن أتذكر إلا أمرًا واحدًا فقط، الأمر الأكثر أهميةً وثباتًا في ذاكرتي. حدث في سبتمبر الماضي وها هو اقترب تمامه، أمرٌ كنت أنتظره منذ عامين، انتظرته بين رجاء وخوف. هو موعد لقاء مع حلم يكبر بداخلي، لقائي مع طفلي الأول .أرجو أن تمضي أيامه المتبقية بكل خير وطمأنينة.  ما بين الخوف والفرح:  "الإنجاب" لطالما كنت أخاف هذا الأمر وقد كان سببًا في تجنبي الارتباط لسنوات. أن أصبح أُمّا لأحدهم وأن أجلبه لهذه الحياة ليس بالأمر السهل أبدًا، بكل مرة أفكر بذلك أتذكر مقولة "فرانز كافكا" لا يحضرني النص ولكنه عنى أن التربية أصعب مهمة تواجه الإنسان وقلما ...

رفاهية القلق

قد تصبح الحياة عادية ولا شيء فيها يجعلنا نستيقظ بالغد، ما الذي يعزز هذا الشعور بالواقع؟ مرت ثلاثة أشهر على هذا الحال،أقول لنفسي كل يوم هل هذا الشعور عادي، أهو ملل أم اكتفاء أم هو اليأس! في كل مرة أريد إنجاز مهمة بسيطة من جدول العمل أجدني أنهض من على الكرسي وأذهب لأبحث عن أي شيء يجعلني لا أعود للمكتب، على الرغم من إدراكي أنني سبق وعشت مثل هذه المشاعر من قبل و لا سيما في بدايات الخطط طويلة المدى ،إلا أن الأمر هذه المرة مختلف. فقد كان يلازمني شعور ثقيل جدًا ، جلد للذات وخوف من فوات الفرص وتعب التأجيل، كنت أؤنب نفسي كثيرًا ،كان شعورًا مرهقًا بالفعل ولكنه كان يجبرني على البدء بالعمل وإنجاز المهام. هذه المرة لا أجد هذا الشعور بداخلي، أحاول أن أجد شيء ما يجعلني أعود لتلك الحساسية المفرطة اتجاه الزمن وسيلانه،والخوف من الاعتياد على حياة العبث،أحاول ولم أجده. ألاحظ مؤخرًا أنني صرت أشبه الكثير من النساء من حولي، كلما كنت بينهن أتذكر السنوات التي قضيتها من عمري وأنا أمقت حياتهن وهذا النمط الممل والكئيب من العيش،كنت أشعر أنها حياة خالية من حب الذات، حياة مليئة بالحسرة والندم على فوات الفرص.ولكن...